«ثقة معدومة ومفاوضات مأزومة»، أقل ما تتسم به العلاقة بين إسرائيل وحماس نتيجة الصراع المسلح المتواصل بينهما، والمفاوضات غيرالمباشرة المعقدة بوساطة مصرية ودولية لإدارة الأزمات، بهدف التوصل لتهدئة أو تبادل الأسرى وتنفيذ خطة ترامب للسلام، كما تصف هذه العبارة بدقة حالة الانسداد السياسي والدبلوماسي، إذ يغيب الحد الأدنى من القبول المتبادل بين الطرفين، إذ تسعى كل من إسرائيل وحماس لفرض شروط لتنفيذ الاتفاق لكنها تكون مرفوضة من الجانبين، ما يجعل أي مسار تفاوضي يدور في حلقة مفرغة دون تحقيق أي اختراق حقيقي أو تسوية مستدامة فهل أصبحت خطة ترامب للسلام في مهب الريح؟، على وقع طلب نتنياهوالحصول على ضمانات تتعلق بمصداقية الحركة في تنفيذ التزاماتها المرتبطة بنزع السلاح، دعت حماس إلى إلزام إسرائيل بالموافقة على خارطة طريق المرحلة الثانية من اتفاق غزة للسلام، ووقف الحرب على القطاع ونفاذ المساعدات، في حين دعا الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إسرائيل إلى التوقف عن شن ضربات على قطاع غزة، في وقت التقى فيه رئيسَ الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في القدس مبعوثي ترامب كوشنر وميلادينوف منسق مجلس السلام، إذ كشف ترامب عن أن الحركة وافقت على التخلي عن سلاحها، وأبلغ نتنياهو المبعوثَين بأن أي انسحاب إسرائيلي من قطاع غزة يبقى مرهوناً بخروج سلاح حماس من القطاع، مؤكداً تمسكه بهذا الشرط في إطارأي ترتيبات مستقبلية لإنهاء الحرب أو إدارة مرحلة ما بعد النزاع، في المقابل، أكد كوشنر وميلادينوف لنتنياهو أن سلاح حماس سيُسحب بالكامل من القطاع وفق ما ينص عليه الاتفاق، فضلاً عن وجود قناعة راسخة لدى واشنطن بضرورة نزع السلاح باعتباره ركيزة أساسية في ترتيبات المرحلة المقبلة، كما نقل المبعوثان إلى نتنياهو رسالة من ترامب تؤكد ضرورة دخول خطة غزة حيّز التنفيذ والمضي في تطبيق بنودها.
السؤال الذي يطرح نفسه الاَن هل باتت خطة ترامب للسلام في مهب الريح وسط غياب النوايا الصادقة من جانب إسرائيل التي تعتبرالحوار وسيلة للاستهلاك الإعلامي أو كسب الوقت لا للوصول إلى حل؟، إذ تصر على عدم تنفيذ بنود المرحلة الأولى من الاتفاق وتقصف غزة يومياً، وجاءت زيارة كوشنر لإسرائيل في ظل تحفظات إسرائيلية على الخطة الأمريكية، لا سيما فيما يخص نزع سلاح حماس ورفض إسرائيل الانسحاب من القطاع، والتقى كوشنر قادةً من حركة حماس في مصر قبل توجهه إلى إسرائيل، فيما أكدت حماس موافقتها على خارطة الطريق للمرحلة الثانية من خطة ترامب، التي قدمها منسق مجلس السلام نيكولاي ملادينوف والوسطاءمصر وتركيا وقطر، وأن هذه الموافقة تأتي انطلاقا من مصالح الشعب الفلسطيني والحرص على الوصول إلى وقف دائم لإطلاق النار والانسحاب الكامل لجيش الاحتلال من قطاع غزة وتأمين الإغاثة العاجلة والدائمة وبدء عمل اللجنة الإدارية وإعادة الإعمار وباقي الاستحقاقات المتفق عليها، وشددت الحركة على التزامها والفصائل الفلسطينية بتطبيق اتفاق وقف إطلاق الناربشكل كامل في مرحلته الأولى، الذي تم في شرم الشيخ، بدءاً من عملية تبادل الأسرى والجثامين ووقف العمليات العسكرية، مشيرة إلى أن الاحتلال لم يلتزم بتطبيق هذه المرحلة ويعمد إلى التصعيد العسكري ميدانياً وتعميق الكارثة الإنسانية، بل أعلن رفض خارطة الطريق بشكل صريح، وضمت اللقاءات مع قيادة حركة حماس، إلى جانب الوسطاء في مصر وتركيا وقطر، كلا من جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ونيكولاي ملادينوف، منسق مجلس السلام في قطاع غزة.
يأمل المبعوث الأمريكي جاريد كوشنر، في أن تبدأ عملية نزع سلاح حركة حماس خلال نحو 30 يوماً، بالتوازي مع إحراز تقدم في تنفيذ خطة الرئيس دونالد ترامب بشأن قطاع غزة، مع بدء سحب جزء من الأسلحة كما نأمل، وربما أيضاً ردم بعض الأنفاق خلال الستين إلى التسعين يوماً المقبلة، وقال المسؤول الإسرائيلي إن الجانبين اتفقا على أن تبدأ عملية نزع السلاح بمطالبة حماس بتسليم أسلحتها، تمهيداً لإخراجها من الخدمة، على أن تتم العملية تحت إشراف ضابط أمريكي، تم الاتفاق على تشكيل مجموعتي عمل وستركز الأولى على نزع السلاح في قطاع غزة وتجريده منه، إذ تصرإسرائيل ومجلس السلام على إنجاز هذه العملية سريعاً وقبل بدء أي أعمال لإعادة إعمار القطاع، أما مجموعة العمل الثانية فستتناول قضايا الصرف الصحي وتوفير المياه النظيفة وغيرها من مسائل الصحة العامة التي تمس سكان غزة وتؤثر أيضاً في سكان الاحتلال.
وسط محاولات مصرإنهاء الصراع الإسرائيلي الفلسطيني لبدء مرحلة جديدة من التنمية في المنطقة، لا يختلف إثنان على أن الأوطان تبنى بسواعد أبنائها المخلصين، لم يكن إطلاق المشروع القومي للطرق في مصرعام 2014 بالأمر الهين، بل تحتاج جهود مضنية ودماء تراق وأموال تنفق وتخطيط محكم وعلم حديث ، ولذا يعتبرالعلم أحد ركائز بناء الجمهورية الجديدة بالتزامن مع بناء الإنسان الجديد لأن البشرقبل بناء الحجر، إذ لا قيمة لعمارة المباني والمنشآت دون بناء المواطن علميا وخلقيا، وثقافياً واجتماعيا ليتمكن من منفعة نفسه ووطنه، إذ يهدف المشروع إلى إنشاء وتطوير شبكة متكاملة من الطرق والكباري من خلال إنشاء 7000 كيلو مترمن الطرق الجديدة تم إنجاز نحو 6500 كيلومنها وتطوير 10000 كيلو من الطرق الحالية أنجز منها 8500 اَلاف كيلو إضافة إلى إنشاء عشرات المحاور في جميع محافظات مصر خصوصاً التي يمرالنيل بها وألف كوبري ونفق بتكلفة مئات المليارات.
أسهمت هذه الإنجازات في تقليل الازدحام وتخفيف الضغط المروري على الطرق القديمة، وانخفاض حوادث الطرق بنسبة 26% خلال السنوات العشرالماضية، بعد أن قفزت مصر 90 مركزاً في جودة الطرق وأصبحت في المركز 53 عالمياً ومن المتوقع أن تصبح في المركز 30 بعد إكتمال شبكة الطرق، ما سيؤدي إلى زيادة كفاءة النقل وخدمة المدن الجديدة ومناطق التوسع الزراعي والصناعي، ويعتبرالمشروع القومي ركيزة للبنى التحتية في مجال الطرق والكباري والمحاور أطلقه الرئيس عبد الفتاح السيسي في أغسطس 2014، ويُعدّ جزءاً من رؤية مصر 2030 من أجل تحقيق التنمية المستدامة، من خلال ربط أنظمة النقل بمتطلبات التنمية الاقتصادية والاجتماعية الوطنية، كما يهدف إلى تسهيل حركة السكان من وادي النيل المكتظ إلى مناطق حضرية وصناعية وزراعية جديدة في البحر الأحمر والصحراء الغربية، إضافة إلى ترسيخ مكانة مصر كمركز لوجستي عالمي عبر ربط الموانئ بالطرق الوطنية والمشاركة في مشاريع قارية مثل طريق القاهرة-كيب تاون ومن المتوقع، بعد إنجاز المشروع، أن يُقلّل أوقات السفر في جميع أنحاء البلاد بنسبة تتراوح بين 23 و27%، وأن يُحسّن من حركة نقل البضائع، الذي يُمثّل أكثر من 98% من حركة النقل الداخلي.
تكمن عبقرية المشروع القومي للطرق، في مصر، الذي أُطلق في أغسطس 2014، في تحويل البنى التحتية من مجرد «خدمة مأزومة» إلى «شريان تنموي شامل بتكلفة تجاوزت 300 مليارجنيه، ليربط بين المحافظات ومناطق الإنتاج والاستثمار، ورغم ذلك لازالت حوادث الطرق تؤرق المسئولين والمواطنين في مصر، بعد أن تحولت إلى نزيف على الأسفلت رغم إنخفاضها عما كانت عليه قبل تنفيذ المشروع، ولذا باتت تحتاج إلى مواجهة حاسمة لتقليل أعداد الضحايا التي تزيد يوماً بعد اّخرحيث سجلت بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء ارتفاعاً في عدد قتلى حوادث الطرق ليصل إلى 5829 قتيلاً وأكثرمن 84 ألف مصاب في العام الماضي فقط، وسط مطالبات دائمة بتشديد الرقابة المرورية وصيانة الطرق خصوصاً الفرعية التي لم تصلها يد التطوير حتى الاّن فضلاً عن تخفيف أزمات النقل الثقيل التي لا تنتهي.
أسفرحادث تصادم شاحنتين محملتين بالعمال على وصلة الدواويس بدائرة مركز القصاصين بمحافظة الإسماعيلية أخيراً،عن وفاة 19 شخصًا ودعتهم محافظة الشرقية في جنازة مهيبة وإصابة 31 آخرين، مشاهد الجنازات والحزن الذي يرافقها تدمي القلوب خصوصاً أن من بين الضحايا أطفال تركوا بيتوهم للبحث عن لقمة العيش،بعد أن خيم الحزن الشديد الذي لم تمسحه دموع المصريين على الجميع إثر الحادث الأليم الذي أودى بحياة 19 شخصاً من العمال بعضهم من الأطفال، إذ شملت المشاهد المؤثرة انهيارالأسر أمام المستشفيات بانتظارالجثامين، ودموع الرجال وصرخات الأمهات على الضحايا الشباب الذين خرجوا بحثاً عن لقمة العيش، إضافة إلى تشييع جثامين أشقاء وأسركاملة في جنازات مهيبة وموجعة بقرى الشرقية، إنها مصرالتي يعيش شعبها أسرة ويد واحدة ونسيج وطني متماسك يجمع بين أبنائه المحبة والتسامح والترابط التاريخي عبرالعصور، إذ تتسبب سيارات النقل في 40 % من حوادث الطرق في مصر.
لا نريد أن نوجه اتهامات لجهات أوأشخاص بأدلة باطلة ومرفوضة قانوناً وشرعاً وأخلاقياً، الأصل في الإنسان البراءة، ولا يجوز إدانة أحد أو توجيه التهم لمجرد الظن أو الشك، تتطلب العدالة وجود أدلة واضحة وموثقة قبل إطلاق أي اتهامات لضمان عدم ظلم الأبرياء، فقد كشفت بيانات نشرها الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في مصر، أن عدد قتلى حوادث الطرق، بما في ذلك السيارات والقطارات، ارتفع بنسبة 10.8 % خلال عام 2025، وزاد عدد ضحايا حوادث الطرق إلى 5829 في 2025، مقابل 5260 في 2024، وأظهرت البيانات أن عدد إصابات حوادث الطرق بلغ 84 ألفاً و553 شخصاًعام 2025، مقابل 76 ألفاً 362 شخصاً في 2024، بنسبة ارتفاع 10.7 %، ويرجع خبراء حوادث الطرق في مصرإلى سوء حالة بعض السيارات، وتجاهل قواعد القيادة، فيما تبين أن العامل البشري هو المسؤول الأول عن الحوادث، في ظل ما تقوم به الدولة من جهود واسعة لتطوير شبكة الطرق والسكك الحديدي خلال السنوات العشر الماضية، ورغم ذلك فأن مصرليست من بين أكثر دول العالم في حوادث الطرق بل في الترتيب رقم 94 بين دول العالم البالغ 172 دولة على مستوى العالم وبالتالي فمصر في منطقة دافئة بالنسبة للقائمة وليست من بين أسوأ الدول في العالم في حوادث الطرق كما يروج البعض، بعد أن تراجعت نسبة الحوادث في مصر 26% خلال السنوات العشر الأخيرة.
السؤال الاَن متى يصبح نزيف الأسفلت من الماضي بعد أن حققت مصردرجات عالية من النجاح في مجال السلامة على الطرق؟ أدت جهود الحكومة إلى تراجع أعداد الحوادث ويقيني أن الانتهاء من المشروع القومي لشبكة الطرق سيزيد من نسب انخفاض حوادث السيارات بمصر، إذ أنفقت نحو530 مليار جنيه على قطاع الطرق والكباري وحده ضمن خطة تحديث منظومة النقل منذ عام 2014 حتى الآن، بينما تجاوز إجمالي ما تم ضخه في كامل قطاع النقل والمواصلات (طرق، سكك حديد، مترو، موانئ) نحو2 تريليون جنيه خلال الفترة نفسها، فيما كشفت دراسات كثيرة أجرتها الجامعات والجهات الرسمية في مصر للتوصل إلى أسباب حوادث الطرق في مصر، أنها تنتج عن مجموعة متداخلة من العوامل، يتصدرها العنصر البشري بنسبة تصل إلى نحو 70%، ويلي ذلك عيوب المركبات، وحالة الطرق والبنى التحتية، فضلاً عن الظروف المناخية.
يشمل العنصر البشري أيضاً السرعة الزائدة وعدم التزام السائقين بالسرعات المقررة قانوناً ومحاولة اختصار الرحلات، والإلهاء أثناء القيادة خصوصاً استخدام الهواتف المحمولة وتشتت الانتباه، والقيادة تحت تأثير المخدرات، خصوصاً تعاطي المواد المخدرة بين بعض سائقي النقل والسيارات، والإرهاق والتعب والقيادة لفترات طويلة دون راحة بسبب ضغوط العمل وعدد الرحلات اليومية، فضلاً عن الإهمال في الفحص الدوري، وعدم صيانة الأجزاء الحيوية للسيارات مثل الفرامل والإطارات، وانفجار الإطارات، نتيجة تعرض إطارات سيارات النقل الثقيل أو النقل الجماعي للتلف المفاجئ على الطرق السريعة، وانتهاء العمر الافتراضي لبعض وسائل النقل العامة أو التجارية، والقيادة في أوقات المطروالشبورة المائية الكثيفة أو الأمطار الشديدة دون حذر كاف، ولذا فأن حل هذه المشكلات البشرية سيجعل حوادث الطرق من الماضي.
وأقول لكم، إن مصرشهدت في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي، طفرة غير مسبوقة في قطاع البنى الأساسية وخريطة الطرق والكبارى، تمثلت في إطلاق "المشروع القومي للطرق" لتنفيذ آلاف الكيلومترات الجديدة ورفع كفاءة الشبكة القائمة لربط أقاليم الجمهورية وتيسير حركة التجارة والاستثمار، ومن أبرز إنجازات الطرق والكباري، المشروع القومي للطرق الذي يتضمن تنفيذ وتطوير نحو 7,000 كيلومترمن الطرق الرئيسية والسريعة على مستوى الجمهورية، فضلاً عن محاور النيل وتشمل التخطيط لإنشاء 35 محوراً جديداً على النيل ليصل الإجمالي إلى 73 محفزاً وكوبري، مع إنجاز العديد منها مثل محور تحيا مصر، ومحور عدلي منصور، ومحور سمالوط، كما تم تنفيذ العديد منالكباري والأنفاق ومنها إنجاز مئات الكباري العلوية والأنفاق عند تقاطعات الطرق الرئيسية وأعلى مزلقانات السكك الحديدية لمنع التكدسات والحوادث، وكان للطرق المحلية نصيب كبير من التطوير ورفع كفاءة آلاف الكيلومترات من الطرق الداخلية داخل المحافظات وقرى مبادرة "حياة كريمة"، ولذا فأن وقوع بعض الحوادث لا يعدو أن يكون نتيجة العنصر البشري خصوصاً السائقين غير الملتزمين بقواعد المرورالذين يحتاجون إلى المزيد من التوعية والرقابة المرورية.
أحمد الشامي
[email protected]